الجصاص
578
أحكام القرآن
وقال آخرون : " إنما أقرهم على أرضهم على أنهم وأرضهم فيء للمسلمين وأنهم غير ملاك لها " . وقال آخرون : " أقرهم على أنهم أحرار والأرضون موقوفة على مصالح المسلمين " . قال أبو بكر : ولم يختلفوا أن من أسلم من أهل السواد كان حرا وأنه ليس لأحد أن يسترقه ، وقد روي عن علي رضي الله عنه أن دهقانا أسلم على عهده فقال له : " إن أقمت في أرضك رفعنا الجزية عن رأسك وأخذناها من أرضك ، وإن تحولت عنها فنحن أحق بها " ، وكذلك روي عن عمر رضي الله عنه في دهقانة نهر الملك حين أسلمت ، فلو كانوا عبيدا لما زال عنهم الرق بالإسلام . فإن قيل : فقد قالا إن تحولت عنها فنحن أحق بها . قيل له : إنما أراد بذلك أنك إن عجزت عن عمارتها عمرناها حتى نحن وزرعناها ، لئلا تبطل الحقوق التي قد وجبت للمسلمين في رقابها وهو الخراج ، وكذلك يفعل الإمام عندنا بأراضي العاجزين عن عمارتها . ولما ثبت بما وصفنا أن من أسلم من أهل السواد فهو حر ، ثبت أن أراضيهم على إملاكهم كما كانت رقابهم مبقاة على أصل الحرية ، ومن حيث جاز للإمام عند مخالفينا أن يقطع حق الغانمين عن رقابها ويجعلها موقوفة على المسلمين بصرف خراجها إليهم جاز إقرارها على أملاك أهلها ويصرف خراجها إلى المسلمين ، إذ لا حق للمسلمين في نفي ملك ملاكها عنها بعد أن لا يحصل للمسلمين ملكها ، وإنما حقهم في الحالين في خراجها لا في رقابها بأن يتملكوها . وذكر يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح قال : " سمعنا أن الغنيمة ما غلب عليه المسلمون حتى يأخذوه عنوة بالقتال وأن الفئ ما صولحوا عليه " ، قال الحسن : " فأما سوادنا هذا فإنا سمعنا أنه كان في أيدي النبط ، فظهر عليهم أهل فارس ، فكانوا يؤدون إليهم الخراج ، فلما ظهر المسلمون على أهل فارس تركوا السواد ومن لم يقاتلهم من الدهاقين على حالهم ووضعوا الجزية على رؤوس الرجال ومسحوا ما كان في أيديهم من الأرضين ووضعوا عليهم الخراج ، وقبضوا على كل أرض ليست في يد أحد فكانت صوافي للإمام " . قال أبو بكر : كأنه ذهب إلى أن النبط لما كانوا أحرارا في مملكة أهل فارس فكانت أملاكهم ثابتة في أراضيهم ، ثم ظهر المسلمون على أهل فارس وهم الذين قاتلوا المسلمين ولم يقاتلهم النبط كانت أراضيهم ورقابهم على ما كانت عليه في أيام الفرس لأنهم لم يقاتلوا المسلمين ، فكانت أرضوهم ورقابهم في معنى ما صولح عليه وأنهم إنما كانوا يملكون أراضيهم ورقابهم لو قاتلوهم . وهذا وجه كان يحتمله الحال لولا أن محاجة عمر لأصحابه الذين سألوه قسمة السواد كانت من غير هذا الوجه ، وإنما احتج بدلالة الكتاب دون ما ذكره الحسن .